الشيخ السبحاني

445

مفاهيم القرآن

رحم اللَّه شيخنا الوالد آية اللَّه الشيخ محمد حسين السبحاني ( 1299 - 1392 ه ) فقد كان في أواخر أيام عمره طريح الفراش فزارته ابنته « فاطمة » وكنت أرافقها فسألناه عن حاله فأنشدَ بيتاً من لامية العجم للطغرائي وقال : ترجو البقاء بدار لا ثبات لها * فهل سمعت بظل غير منتقل أمّا الكلام حول الدنيا ومصاعبها وما احتضنت من التعب والوصب ، فيكفي في ذلك قراءة خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ننقل منها هذه الشذرات : « أمّا بعد ، فإنّي أُحذركم الدنيا ، فإنّها حلوة خضرة ، حفّت بالشهوات ، وتحبّبت بالعاجلة . وراقت بالقليل ، وتحلّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لا تدوم حبرتها ، ولا تؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكّالة غوّالة ، لا تعدو - إذا تناهت إلى أُمنية أهل الرغبة فيها والرضاء ( الرضى ) بها - أن تكون كما قال اللَّه تعالى سبحانه : « كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْض فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذروهُ الرياح وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقتدراً » « 1 » لم يكن امرؤٌ ومنها في حبرة إلّا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق في سرّائها بطناً ، إلّامنحته من ضرّائها ظهراً . « 2 » وقال عليه السلام في خطبة أُخرى : « ألا وإنّ الدنيا قد تصرَّمت ، وآذنت بانقضاء ، وتنكَّر معروفها ، وأدبرت حذّاء ، فهي تحفز بالفناء سكّانها ( ساكنيها ) ، وتحدو بالموت جيرانها ، وقد أمرّ فيها ما كان حلواً ، وكدر منها ما كان صفواً ، فلم يبق ( تبق ) منها إلّاسملة كسملة الإداوة أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع . فأزمعوا عباد اللَّه الرحيل

--> ( 1 ) الكهف : 45 . ( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 111 .